طالما كانت الدراسة والتحصيل العلمي سببًا في علو الإنسان وصعوده لمصاف علية القوم. وكان العلم محل تقدير من عامة الناس فضلًا عن أهل العلم وخاصته، ولهذا تجد الكثير من التشجيع للتقدم في الدراسة والبحث عن مجدٍ وإرث يترك أثرًا خلفه. إن التحصيل العلمي فعل نبيل وله شأن في كل الأمم السابقة، وجاء الإسلام مشددًا لتحصيل المعرفة، إذ إن أول سورة نزلت في القرآن «اقرأ»، ومن مراتب الإحسان معرفة العبد، وهذا يتطلب تحصيلًا علميًا ومجاهدة النفس لبلوغ العلم الغاية الأسمى منه، وهي معرفته سبحانه حق المعرفة.
علم الدنيا لا يقل أهمية عن علوم الدين
العلم بذاته عمل إنساني يدعو له الدين والمجتمع. حتى وإن كان علمًا دنيويًا صرفًا لما فيه من منفعة للبشرية، فهو عمل نبيل يسمو بصاحبه ويظهر إنسانية الطبيعة البشرية. الإنسان بطبيعته جُبل على خدمة الآخر، وذلك في تعاون الإنسان مع أخيه الإنسان. لن تجد من يستطيع العيش لوحده دون الحاجة لغيره، فالطفل بحاجة لأمه، والرعية بحاجة لحاكم يحكم بينهم بالعدل، فتلاقي الحاجات البشرية تضطرنا أن نسعى في العمل لأنفسنا ولغيرنا في الوقت ذاته. المنفعة المتبادلة هي المبدأ البشري الأول في التعامل. وهذا العلم وتبادله مع الآخرين هو أجلّ وأهم المنافع التي تكون بين البشر جميعهم.
حلم راودني كثيرًا
أردت كثيرًا أن أدرس وأحمل الشهادة الجامعية، وسببي الأول كان طمعًا شخصيًا وأنانية طبيعية لا تنقص من قدري شيئًا. كنت أسمو للدراسة لحاجة في نفسي وأمنياتٍ في أن تكون طريق العبور لترقية قادمة في عمل يحتاج شهادة جامعية. في ٢٠١٦ كنت سجلت في الجامعة ولم أستطع تجاوز الترم الأول لضيق الوقت في العمل، حيث كنت أعمل في مناوبة «شفتات»، وضعف همة ساهمت مع العمل بترك الجامعة، وهي أعذار أقنعت نفسي بها دون حسيب ذاتي ولا مراجعة لما آل إليه الخروج من الجامعة.
مرت السنون وعاودني الرقيب الذاتي
في هذه السنين الثلاث الأخيرة أتاني حسيب قضّ مضجعي واتهمني بالكسل وفتور الهمة، وزاد في اتهامه حتى قال: الرجال لا تتعذر في الوقت والمال. في حين كان المؤجل للدراسة هو الكسل المحض والجري خلف اللهو وغيرها من ملهيات الحياة، كقضاء الكثير من الساعات ما بين تويتر وسناب، ومؤخرًا زاحمهم تيك توك وأصبح شريكًا لهم، وكان الوقت ينفد مني بسرعة البرق دون انتباه مني. حقيقة الأمر أنني كنت أجاهد نفسي؛ أحذف التطبيق وأعود له، وكان مما فعلت أيضًا أنني سبق أن حملت تطبيقًا يعينني على ضبط عاداتي في استخدام الجوال، كأن يجعل وقت التطبيق المستخدم هو عشرين دقيقة ثم يغلقه. لكن المضحك أنني ألتزم ساعة وساعة أعود للتطبيق، وهذا دليل واضح لضعف في الإرادة الذي كان سبب كثير من أزمات الشباب.
«محاولة العودة للمسار الصحيح هي أن تبدأ مباشرة دون توانٍ منك»
في الحقيقة لم أكن راضيًا عن نفسي ووقتي الذي أقضيه ضائعًا، لكن كنت دائمًا معاتبًا لنفسي وأفكر في المآل لهذا الروتين الممل. كنت أحيط نفسي بدائرة تدعو للقراءة والرياضة في مجتمعي الافتراضي. كنت أذهب لمعارض الكتب وأشتري ما شاء الله أن أشتري. كانت الكتب تشكو الهجران لكونها توضع في مكان ما في زاوية البيت دون اكتراث بها. كنت أقرأ كتابًا ولا أكمله، حيث أنصرف عنه لكتاب آخر دون سابق مقنع، بيد أنه الملل والفتور.
كنت في شتات حتى شددت العزم وأخذت العهود والمواثيق على نفسي بأن أجد مخرجًا لهذه المأساة. خشيت في البداية أن أعود لسابق عهدي، لكني كنت قد عزمت على أن لا أعود لتلك المرحلة. وضعت لنفسي خطة مرنة بما يكفي لأستطيع الالتزام قدر الإمكان، وكان مما فعلت أنني وضعت الكتاب في مجلسي الخاص وصالة منزلي وفي مكان نومي أيضًا. ألزمت نفسي بوقت مدته ثلاثون دقيقة يوميًا، مهما كانت الظروف يجب أن أقرأ. أما في الجانب المعرفي الأكاديمي عزمت أن أدرس في هذا العام الدراسي بعد أن أصبحت الظروف مواتية من وقت وهمة. أرجو أن يعينني الله بأن أكمل ما وضعت من خطط، وأن ألتزم بكلمة قطعتها بيني وبين نفسي «رقيبي الذاتي» الذي سبق وأن أخلفت معه الكثير من العهود، مقتربًا تارة بين المنافقين مخلفين العهود ومبتعدًا تارة أخرى، وأرجو أن يكون هذا الفراق مذممًا خلاف ما قال المتنبي حين قال:
فراق ومن فارقت غير مذممِ
حيث كان فراقه دون رغبة منه وأنا راغب محب لهذا الفراق.
لِمَ ألزم نفسي أمامكم بما لم ألتزم به مسبقًا؟
في الحقيقة الوعود تجبرني على العمل والوفاء بها مرضاة لله أولًا ونفسي. هي من الدين ومن صفات المؤمن، وهي كذلك من المروءة والرجولة، وهذا لا يخفى عليكم أن من خوارمها هي أن تخلف وعدًا قطعته. الإنسان يستطيع الإخلاف بوعدٍ قطعه بينه وبين نفسه، لكن عندما يصبح معلنًا وفي تحدٍّ لنفسه أمام المجتمع خوفًا من فشله مما ينعكس سلبًا على صورته.
لذا أجدني أضع نفسي أمامكم في تحدٍّ مرهق لأجد في الوفاء بوعدٍ قطعته معكم.
سوف نعود لهذا المقال لاحقًا لنرى هل أصبحت في صف المؤمنين أم الذي أخشى.