لماذا نكتب؟

لماذا نكتب في زمن البودكاست؟ هل بإمكان البودكاست الحلول بديلا للقراءة.


 من المشافهة إلى الكتابة


 كان التاريخ العربي وتاريخ الأمم الأخرى يصل إلينا عن طريق النقل شفهيًا، واختلفت الطرق بين الأمم، فالعرب كانوا يستخدمون الشعر لنقل أخبارهم وحروبهم وأساطيرهم.

 فالنقل الشفهي هو من حفظ التاريخ وأحداثه وأنساب العرب، وكان ولا يزال فاعلًا في الأمة العربية والإسلامية. ومن خلاله وصل إلينا التاريخ العربي الجاهلي، ومنه استطعنا أن نفهم طبيعة النفس الجاهلية وسياق ظهور الإسلام وأثره على المجتمع الجاهلي، ومآل انتشاره في العالم أجمع.



صورة تخيلية للنقل الشفهي عند العرب

 بيد أن هذا النقل، رغم حرصهم على صحة نقله وروايته، كانت توجد فيه أخبار إذا حاكمناها إلى علم النقل وقاربناها بالواقع، وجدنا أنها تقترب من الأسطورة أكثر من الحقيقة. الكتابة..

 الحافظ الأمين


 ولذا نجد أن الكتابة هي شاهد التاريخ الموثوق والحافظ الأمين لأخبار الأمم وصراعاتها وأشعارها، حتى أساطيرها خلّدتها الكتابة. وللكتابة مزية على الرواية الشفهية بخلودها وطول أمدها، وحفظها من الوهن والنسيان التراكمي للإنسان.

 أتى الإسلام واستدعت الحاجة الكتابة لحفظ القرآن، ثم اتسع التدوين في العلوم الإسلامية والعربية، حتى وصل إلينا هذا الإرث العظيم. ولولا الكتابة والتدوين لما وصل إلينا كثير من المعلقات، ولا كتب الجاحظ، ولا الأصمعيات، ولا نقائض العصر الأموي.

 بغداد وازدهار التدوين


 ازدهرت الكتابة والتدوين في العصر العباسي بعد بناء بغداد على يد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، ثم أصبحت المدينة مركزًا عظيمًا للعلم والثقافة والترجمة. وازدهر فيها بيت الحكمة خصوصًا في عهد الخلفاء الذين جاؤوا بعد المنصور، وبلغ أوجه في عهد المأمون.


صورة تخيلية لبيت الحكمة في بغداد



 واتسعت الرقعة الجغرافية للدولة الإسلامية، وانتشر العرب والمسلمون في أرجائها، وكان ذلك من المحركات الرئيسية لانتشار الكتابة والتدوين، ونشر الدين والعلم وحفظ المعرفة. 

العودة إلى المربع الأول


 ثم عدنا إلى المربع الأول، وانتقلنا من التدوين إلى المشافهة، بعد الحضور القوي لبرامج البودكاست واليوتيوب. قد يكون هذا ذا فائدة مرجوة إذا كان مساعدًا للكتابة والقراءة، لا عاملًا رئيسيًا في تحصيل المعرفة. ولما نعرفه من أثر القراءة الجادة في تقدم الأمم، نجد أنه من الواجب علينا أن نقف سويًا أمام هذا المد الهائل للمحتوى المسموع، وأن نجاهد أنفسنا لمراجعة الكتاب والقرب منه والأخذ عنه.

 تجد عند الكثير أن القراءة أدوم من السماع وهذا واضح عندما تحاول أن تتذكر شيء سمعتها مقارنة بتذكرك لشيء قرأته تستيطع استحضاره بشكل أيسر من المسموع. 

ومن محاسن القراءة أنها تأتي بالفكرة وتشرحها بهدوء وتأنٍ، وتترك لك حرية التوقف والعودة إليها، على خلاف ما يظهر في كثير من برامج البودكاست.

 البودكاست.. ليس بديل


 لا أقول إنه لا فائدة منه ويجب الابتعاد عنه؛ فلا يكاد يوجد من لا يستمع إليه. وهو في الحقيقة قد يقرّبك من عالم أو متخصص في مجال ترومه، وتريد أن تدرك شيئًا من خبراته.

 البودكاست كأنك تجلس مع من تتوق إلى الجلوس معه، للفائدة أو للأخذ منه ما قد يختصر عليك عناء البحث وطرق التبحر في العلم، وغيره من الخبرات التي قد تؤخذ في مجلس واحد.



صورة تخيلية للأشكال التلقي المعاصر



 الخوف أن يعتقد من يستمع إلى عالم أو شيخ أو أديب في البودكاست أن هذا يغنيه غناء الكتاب والعلم الرصين المحكم، الذي أُخذ بالأناة والمراجعة والتعديل، وتنقيته مما قد يعكر صفو المادة العلمية. نعلم جميعًا أن القراءة تعين على المعرفة، وتهذب العقل، وتسمو به لما يجده فيها من فكر وعلم رصين. في القراءة تجد صحيح البخاري، وأجود ما كتب الجاحظ، ومنها قرأنا المتنبي.

 بل إن من تود سماعه والأخذ من محاضراته، ستجد غالبًا أنه صرف جزءًا كبيرًا من وقته للقراءة والمعرفة، التي بدورها صعدت به إلى تلك المرتبة.


 فلماذا نكتب؟



 أكتب محاولًا الإجابة عن سؤال: لماذا أكتب؟ رغم معرفتي بإجابة سؤال: لماذا أقرأ؟ وأظن أن الإجابة عن السؤالين تلتقي في مكان واحد؛ نقرأ لكي نعرف، ونكتب كي لا يضيع ما عرفناه. وكما قيل:

 «العلم صيد والكتابة قيد».

إرسال تعليق

© وائل يكتب. All rights reserved. Developed by Jago Desain